ابو القاسم عبد الكريم القشيري
158
الرسالة القشيرية
ورؤية القرب حجاب عن القرب ، فمن شاهد لنفسه محلا ، أو نفسأ ، فهو ممكور به « 1 » . ولهذا قالوا : أوحشك اللّه من قربه : أي من شهودك لقربه ، فان الاستئناس بقربه من سمات العزة به ، إذ الحق سبحانه وراء « 2 » كل أنس . وإن مواضع الحقيقة توجب الدهش والمحو « 3 » . وفي قريب من هذا قالوا : محنتى فيك أنني * ما أبالي بمحنتى قربكم مثل بعدكم * فمتى وقت راحتى وكان الأستاذ أبو علي الدقاق ، رحمه اللّه ، كثيرا ما ينشد : ودادكم هجر ، وحبكم قلى « 4 » * وقربكم بعد وسلمكم حرب ورأى أبو الحسين النوري بعض أصحاب أبي حمزة ، فقال : أنت من أصحاب أبي حمزة الذي يشير إلى القرب ؟ إذا لقيته ، فقل له : إن أبا الحسين النوري يقرئك السلام ، ويقول لك : قرب القرب فيما نحن فيه بعد البعد . فأما القرب بالذات ، فتعالى اللّه الملك الحق عنه ، فإنه متقدس عن الحدود ؛ والأقطار ، والنهاية والمقدار ، وما اتصل به مخلوق ، ولا انفصل عنه حادث مسبوق به ، جلت صمديته عن قبول الوصل والفصل . فقرب هو في نعته محال : وهو تدانى الذوات . وقرب هو واجب في نعته : وهو قرب بالعلم والرؤية . وقرب هو جائز في وصفه ، يخص به من يشاء من عباده ، هو قرب الفضل « 5 » باللطف .
--> ( 1 ) ممكور به : مغرور به : ( 2 ) أي أمام ( 3 ) وفي نسخة و « المحق » . ( 4 ) بغض ، ( 5 ) وفي نسخة أخرى « الفعل » .